إدارة ترامب وإعادة تشكيل التحالفات الأميركية في الشرق الأوسط
د. عصام ملكاوي
أستاذ العلوم السياسية والدراسات الاستراتيجية، أكاديمية العلاقات الدولية، عضو منتدى الفكر العربي وجمعية الشؤون الدولية، عمان – الأردن
الملخص:
يبين الباحث أن مبدأ ترامب القائم على البراغماتية الاقتصادية، والانعزال النسبي، وتغليب المصالح على القيم أعاد تعريف مفهوم التحالفات من الهيمنة المباشرة إلى “إدارة النفوذ”. ويركز البحث على الأبعاد السياسية والاستراتيجية المتمثلة في استخدام القوة الذكية (الدمج بين الصلبة والناعمة)، وتقليص التدخل العسكري المباشر، والاعتماد على الردع الاقتصادي.
كما يوضح أن التحولات الجيوسياسية، كالتقارب السعودي–الإيراني، والتحالف السعودي–الباكستاني، واتفاقات أبراهام، تعكس إعادة ترتيب للأولويات الإقليمية وتراجع الثقة في الضمانة الأميركية التقليدية. وتبرز الورقة أن الولايات المتحدة تتجه نحو تحالفات مرنة بدلاً من الارتباطات الثابتة، بما يخدم هدفها في صياغة شرق أوسط جديد تقوده واشنطن وتحافظ فيه إسرائيل والسعودية على أدوار قيادية.
وتخلص الدراسة إلى أن مستقبل التحالفات في المنطقة مرهون بتوازن القوى بين الفاعلين الإقليميين والدوليين، وبقدرة الولايات المتحدة على المواءمة بين مصالحها الاستراتيجية وحاجتها للحفاظ على نفوذها في منطقة تشهد تحولات بنيوية متسارعة.
الكلمات المفتاحية: السياسة الأمريكية، التحالفات ، القوة الاقتصادية، الشرق الأوسط، الخليج، اسرائيل.
مقدمة:
لم تكن السياسة الخارجية الأمريكية بشكل عام، والاستراتيجية الأمريكية بشكل خاص، محل نقاش وتحليل من قبل المختصين في علم السياسة والدراسات الاستراتيجية، كما هي اليوم، فقد شهدت السياسة الخارجية الأميركية خلال فترة إدارة الرئيس دونالد ترامب الأولى (2017–2021) تحولاً نوعياً في توجهات الولايات المتحدة، سواء على المستوى السياسي أو الاستراتيجي.
فقد جاء الرئيس ترامب لسدة الحكم مخالفاً لمعظم من سبقه من الرؤساء الأمريكان، تدفعه لذلك حالة نفسية، شخصية، شعور بالعظمة والتفوق على من سبقه من الرؤساء، من خلال نظرته لطبيعة التحولات السياسية والاستراتيجية في الفضاء الدولي، وقام بطرح أكثر من مبدأ مثل الحماية الإقتصادية بالدرجة الأولى، ومباديء متعلقة بقضايا سياسية واستراتيجية بالدرجة الثانية، هذه النظرة الترامبية حملت أكثر من مبدأ واحد كما فعل رؤساء أمريكا من قبله، مثل “أميركا أولًا” (America First)، لنجعل أمريكا عظيمة( MAGA )، السلام بالقوة (Peace by Force )، والأنا العالية في أحاديثه ( High Ego (، مثل قلت لهم، تحدثت معهم، متأكد أنهم سيعملون كما قلت لهم، إن لم يتم ذلك سنقوم نحن بعمله. كل ذلك رسم صورة مغايرة لأمريكا كما عرفناها. ثم جاءت فترة ترامب الرئاسية الثانية، خلال الربع الأول من عام 2025، مدفوعة بشعور ترامبي بالزهو والنصر الكبير، الذي حققه في الإنتخابات على منافسته ( كامالا هاريس ) من الحزب الديمقراطي.
انطلاقًا مما تقدم، نجد أن السياسة الأمريكية والتحولات الاستراتيجية في ظل إدارة الرئيس ترامب، قد أعادت صياغة أولوياتها الداخلية والخارجية، نحو مصطلحات جديدة تتباين مابين الواقعية المصلحية كبديل جديد، وبين التعددية التقليدية كموروث قديم، وهو ما ترك آثاراً واسعة على النظام الدولي والعلاقات الإقليمية، خصوصاً في الشرق الأوسط.
وفيما يتعلق بالأبعاد، فيمكن النظر إليها من خلال ما قامت به إدارة الرئيس ترامب في الداخل الأمريكي، من خلال تعزيز النزعة الشعبوية وتغذية الانقسام السياسي بين الحزبين الرئيسيين، أما على الصعيد الدولي، فقد أعاد ترامب رسم العلاقات مع الحلفاء التقليديين في أوروبا وآسيا، كما انسحبت الولايات المتحدة من اتفاقيات دولية مهمة مثل اتفاق باريس للمناخ في في 1 يونيو 2017، ومن الاتفاق النووي الإيراني في 8مايو 2018، ما أعاد تعريف دورها العالمي كقوة مهيمنة ولكن أقل التزاماً بالنظام الدولي الليبرالي.
في حين ركزت إدارة ترامب في الأبعاد الاستراتيجية، على إعادة بناء القدرات العسكرية وتعزيز الردع ضد الصين وروسيا، مع تقليص التواجد العسكري المباشر في مناطق الصراع مثل الشرق الأوسط. كما تبنت الإدارة نهجاً يعتمد على القوة الاقتصادية كسلاح استراتيجي، من خلال فرض عقوبات تجارية واقتصادية واسعة النطاق، خاصة ضد الصين وإيران. كما شددت على ضرورة تقاسم الأعباء الأمنية مع الحلفاء في الناتو والشرق الأوسط.
الأهمية العلمية:
تكمن أهمية هذا البحث من حاجة الدراسات السياسية العربية إلى فهم أعمق لطبيعة التحالفات الأميركية الجديدة، ومدى قدرتها على الحفاظ على مصالح الولايات المتحدة في منطقة تتغير توازناتها بسرعة، خصوصًا في ظل الأزمات الإقليمية الممتدة في غزة واليمن وسوريا، ولبنان، وأمام التقارب السعودي–الإيراني الذي أعاد رسم بعض خطوط التماس التقليدية، والتحالف العسكري السعودي الباكستاني، والذي شكل حالة فارقة في إعادة رسم التحاتفات الدولية.
مشكلة البحث:
تكمن مشكلة البحث في التساؤل الرئيسي الآتي: كيف تعيد الولايات المتحدة تشكيل تحالفاتها في الشرق الأوسط والخليج في ضوء التحولات الجيوسياسية الراهنة؟، وما هي العوامل الداخلية والخارجية التي تحدد مسار هذه التحالفات؟.
منهجية البحث:
سيتم إعتماد المنهج الوصفي التحليلي، والنهج التحليلي الإستشرافي. حيث يسعى البحث إلى تحليل أنماط إعادة التموضع الأميركي من منظور واقعي–تحليلي، مع توثيق التحولات الكبرى في السياسة الخارجية الأميركية خلال العقدين الأخيرين.
خطة الدراسة:
تشمل الدراسة على خمسة فصول متكاملة تهدف إلى تحليل التحولات الاستراتيجية والسياسية في منطقة الشرق الأوسط وعلاقات الولايات المتحدة بالتحالفات الاقليمية. يركز المبحث الأول على الإطار النظري والمفاهيمي، ويشمل الحديث عنمفهوم التحالفات في العلاقات الدولية، إضافة إلى إعادة رسم التحالفات الاستراتيجية. أما المبحث الثاني، فيبحث في الأبعاد السياسية والتحولات في الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط، بما في ذلك التحول من الهيمنة إلى “إدارة النفوذ”، وإعادة هندسة الشرق الأوسط.
في المبحث الثالث يتم تناول إعادة تشكيل التحالفات في منطقة الشرق الأوسط، مع التركيز على تراجع الضمانات الأمنية التقليدية مع الولايات المتحدة والبحث عن بدائل، وتحليل مبدأ ترامب في إعادة تشكيل الشرق الأوسط. ويتناول المبحث الرابع المتغيرات الإقليمية المؤثرة في التحالفات، بما في ذلك الاتفاق السعودي– الإيراني، والإتفاق السعودي-الباكستاني ودلالاتهما على التوازنات الجديدة، مع بيان الموقف الأميركي من التطبيع العربي–الإسرائيلي واتفاقات أبراهام. وتحول المشهد الجيو سياسي والاستراتيجي.
أخيراً، يتضمن المبحث الخامس التحديات والسيناريوهات المستقبلية، وتشمل التحديات التي تواجه السياسة الخارجية والاستراتيجية الأميركية في المنطقة. معاحتمالات إعادة الاصطفاف والتموضع بين قوى إقليمية ودولية في الشرق الأوسط. ومستقبل الوجود العسكري الأميركي في الخليج. إضافة إلى السيناريوهات المحتملة لإعادة تشكيل النظام الأمني الإقليمي.
المبحث الأول: الإطار النظري والمفاهيمي
يعتبر مفهوم التحالفات في العلاقات الدولية، مفهوم مرتبط باتفاقيات رسمية تجمع بين دولتين أو أكثر، بهدف تحقيق مصالح مشتركة أو مواجهة تهديدات موحدة. تطورت هذه التحالفات على مدى عصور، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، لتصبح أكثر تعقيدًا، حيث تشهد العلاقات بين الحلفاء أنفسهم أحياناً مزيجاً من التعاون والتنافس.
وتتعدد أنواع التحالفات في العلاقات الدولية لتشمل مجالات مختلفة، أبرزها: التحالفات العسكرية، والتحالفات السياسية، والتحالفات الإقتصادية، والتحالفات الثقافية. ولكل منها أهدافها وطرق عملها. وللتحالفات في العلاقات الدولية أهمية كبيرة، كونها أداة أساسية في السياسة الدولية، حيث تمنح الدول المتحالفة قوة ونفوذًا أكبر مما لو كانت بمفردها، من خلال تحقيق مصالحها الحيوية على المستويين الداخلي والخارجي، بما يساهم باستقرار النظام العالمي.
عادة ما تلجأ الدول العالمية، إلى سياسة التحالف استجابة إلى بعض المقتضيات أو الضرورات، لذا فإن سياسة التحالف لا تنشأ إلا لوجود عدة دوافع تُساهم في قيام هذه التحالفات. ومن هنا يمكننا أن نخلُص إلى مدى أهمية سياسة التحالف، على اعتبار أنها خيار سياسي مهم في تحقيق السلام العالمي والأمن المنشودان من جراء قيام هذه المنظمات الدولية.
إلا أنه يجب مراعاة نقطة مهمة في سياسة التحالف، وهي أن لا تلجأ الدول إلى البحث عن أي حليف بأي ثمن، لأن هذا الأمر قد يعرضها إلى الابتزاز السياسي والاقتصادي، فكما قال ميكيافيلي: أن الدول التي تعرض صداقتها على الآخرين تعمل على خفض قيمة الصداقة ([1]).
بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، سعت الولايات المتحدة لاعتماد مجموعة من الدول الإقليمية الحليفة كنقاط ارتكاز لبسط نفوذها على العالم، وأولتها بعض الملفات، وتركت لها أيضًا بعض المساحات في نطاق النفوذ الجيوسياسي ومتطلبات الأمن القومي لتملأَها بما يحقق المصلحة والهيمنة الأميركية. وباستخدام النهج الذي ظل هو المتحكم والمسيطر على كل التفاعلات الدولية، إلا أن السنوات العشرة الأخيرة بدأت تشهد محاولات للقفز خارج السور المحيط بالهيمنة الأميركية المطلقة، وهذه المحاولات مردها إلى ثلاثة عوامل ([2]):
الأول: متعلق بصعود الصين كقوة اقتصادية متسارعة النمو، ولديها رغبة في الخروج من عباءة النظام العالمي القائم، وتتحلى بمرونة كبيرة في نسج تحالفاتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية شرقاً وغرباً.
الثاني: له علاقة بالسطوة الأميركية التي ثقُلت أعباؤها، وبدأت تتجلى فيها مظاهر الشيخوخة نتيجة عوامل كثيرة، بعضها بنيوية لها علاقة بالداخل الأميركي، وأخرى خارجية فرضتها التحالفات المهمة، كما هو الحال مع إسرائيل وأوكرانيا، وما تطلبته حروبهما من إنفاق اقتصادي كبير.
الثالث: وهو الأهم المتعلق باتساع أفق الدولة الإقليمية (المُرتكَز)، التي كبرت طموحاتُها، وتولد لديها شعور بأهمية البحث عن آفاق جديدة تلبي رغبتها وإحساسها بالقوة خارج الحدود المرسومة، وهي تستند هنا إلى عاملين اثنين مهمين، الأول هو أن عهد الهيمنة الأميركية المطلقة قارب على الانقضاء نظير للمتغيرات الدولية التي أوردناها سابقًا، والثاني أنها ليست الوحيدة في محيطها، فالعادة أن الولايات المتحدة كانت تعتمد على أكثر من ارتكاز أو دور إقليمي في كل جغرافيا من العالم لتلبية مصالحها. من هذه النقطة ولدت ظاهرة سُميت “سياسة تحالف الملفات” في العلاقات الدولية إذ نلاحظ أن دولًا إقليمية مثل تركيا، ومصر، والسعودية، اتبعت هذه النُهج في علاقاتها، سواء في الإطار الدولي مع الولايات المتحدة، والصين، وروسيا، أو في علاقاتها على الصعيد الإقليمي فيما بينها.
1-مفهوم التحالفات في العلاقات الدولية:
في الإطار النظري والمفاهيمي وكمقدمة لتحليل سياسي من منظور النظريات المفسرة للتحالفات، لابد من الإشارة إلى أن الحديث عن هذه النظريات لن يكون تفصيلاً لماهية كل نظرية لأنها مفهومة للجميع، ولكن استخدام تعريفاتها لمعرفة سلوكيات أصحاب القرار السياسي والاستراتيجي في بناء خططهم وتحديد أهدافهم. لذلك سيكون البحث في هذه النظريات مجتمعة من خلال بيان الإختلافات الجوهرية بينها، وإلى أي مدى مازالت قائمة ومتصدرة للمشهد السياسي.
تعد النظرية الواقعية، واحدة من أهم النظريات الرائدة في تفسير وتحليل العلاقات الدولية والاستراتيجية، ويستند على فرضياتها العديد من الباحثين والدارسين والمهتمين، لأجل تحليل وتفسير الأحداث والمتغيرات التي تحدث في عالمنا. تنطلق النظرية الواقعية – من اسمها- من الواقع أي مما هو كائن، لا مما ينبغي أن يكون، ولعل مفاهيم المصلحة والقوة وتوازن القوة والردع من أهم الفرضيات التي اعتمدتها هذه النظرية، من أجل تفسير ما تقوم به الدول، ولماذا تقوم بذلك؟، وماذا عليها أن تعمل؟. ارتأت هذه النظرية أن الدولة هي الأساس، وأن الدولة هي صاحبة السيادة المطلقة التي لا يمكن التنازل عنها لأي طرف آخر، لأن غاية الدولة البقاء في عالم غير آمن ولا يمكن الوثوق به، وعليه لابد من الإستعداد لذلك طول الوقت عبر بناء القوة.
تمثل المدرسة الواقعية السياسية ردة فعل على تيار المثالية، وهدفت الواقعية إلى دراسة و فهم سلوكيات الدول و العوامل المؤثرة في علاقات بعضها مع بعض، فقد جاءت الواقعية لتدرس و تحلل ماهو قائم في العلاقات الدولية . وتحديد سياسة القوة و الحرب و النزاعات، ولم تهدف كما فعلت المثالية إلى تقديم أفكار و نظريات حول ما يجب أن تكون عليه العلاقات الدولية، فرؤية الواقعيين للعلاقات الدولية حسب رأي “مارتن وايت” تتلخص في : كيف يسير العالم ؟، و ينطلق “مورجينتاو” من مبدأ أساسي يتمثل في أن هناك أشياء كثيرة في العالم لا نستطيع أن نغيرها، ومن الواجب علينا محاولة فهمها كما هي، أي يجب أن ينظر إلى العلاقات الدولية كما هي، وليس ما يجب أن تكون .لقد هدفت الواقعية إلى تقديم نظرية سياسية لتحليل وفهم واستيعاب الظواهر الدولية، ويرى “مورجينتاو” أنه لهذه الأسباب تتميز السياسة الدولية كفرع أكاديمي عن دراسة التاريخ و القانون الدولي والأحداث الجارية و الإصلاح السياسي، ويمكن أن نجمل مسلمات الفكر الواقعي في النقاط التالية ([3]):
- رفض المثالية الأخلاقية والقانونية، فالسياسة لا يمكن أن تحددها الأخلاق، وبالتالي لا يمكن تطبيق المبادئ الأخلاقية على العمل السياسي. ويقول ميكيافيلي في هذا الصدد : “الأخلاق نتاج للقوة”، كما دعا كل من “جان دوان” و “توماس هوبز” “للفصل بين الأخلاق و السياسة .”
- النظرية السياسية تنتج عن الممارسة السياسية وعن تحليل وفهم التجارب التاريخية، والبحث عن الثوابت وجوهر الظواهر بدل السرد التاريخي.
وهنا لابد من الإشارة لما عرضه ” عبدالله ناهض ” في حديثه عن الواقعية ( [4] ) : حيث أشار إلى بعض الأسئلة، وعرض الإجابة عليها بإسهاب، وبدأها: إذا ما كانت الثقة معدومة، وعدم وضوح النوايا بين الدول، فكيف تقام التحالفات إذن؟، وما تفسيرها لقيام الاتحاد الأوروبي؟، أو حلف شمال الأطلسي (الناتو)؟، فهذه التحالفات بحاجة إلى مستوى من الثقة بين الدول المنضوية تحت لوائها، وإلا لا يمكن قيامها. وإذا ما حدث خرق هنا أو هناك من قبل دولة أو دول معينة لا يعني هذا انتفاء النظام، فحتى في ظل سلطة الدولة الداخلية بوصفها أعلى سلطة سيادية، يمكن أن تنشب الصراعات والحروب الداخلية، فهل هذا يدعونا لضرب ونسف أنموذج الدولة وإحلال محلها نماذج أخرى؟، حتى أن فرضية توازن القوى التي صدرتها الواقعية هي بحد ذاتها نظام يحكم الدول المتنافسة، بمعنى وجود قواعد حاكمة ليس سهلاً تجاوزها.
بالتالي فإن إطلاق الأحكام بهذه الشاكلة غير دقيق. وهذه الأحكام في بعض الأحيان تصبح ملاذاً آمنا، فتكون الواقعية نظرية لمن لا نظرية له، الذي لا يستطيع التعمق في بواطن الأمور، بالتالي من السهولة بمكان أن يخرج علينا هؤلاء ليقولوا لنا أن الدولة تبحث عن مصلحتها وقوتها. وكأنها تعيش في عالم من الفراغ تسير فيها كيفما تشاء، ومن ثم ما هو معيار المصلحة هل هو مادي أم غير مادي؟، من الذي يحدد الأصلح؟، وأيضاً الشيء ذاته ينطبق على القوة، فما هو المعيار لحجمها ونسبتها لكي تضمن الدولة قوتها؟، هنالك دول يكون لديها فائض من القوة بما يفوق مستوى ضمان حاجتها للبقاء، وتقوم بتصريفه عبر البحث عن الهيمنة والنفوذ والمكانة والهيبة.
لذلك من الناحية الواقعية تندرج هذه الخيارات ضمن اللاواقعية أو الانتحار في الخيارات، إلا أن لهذه الحركات دوافعها الأخرى التي تدفعها نحو هكذا قرارات، قد يكون البحث عن الاستقلال وطرد المحتلين، يستوجب تقديم تضحيات جسام في مقدمتها النفس البشرية. فضلاً عن ذلك لم تستطع الواقعية تفسير أسباب هزيمة قوى عظمى على يد قوى تحررية أو مسلحة مثل الولايات المتحدة الأمريكية وهزيمتها في فيتنام، أو الاتحاد السوفيتي في أفغانستان؟، حدثت الهزيمة هنا على الرغم من فارق القوة الذي لا مقارنة فيه بين الجانبين، الأمر الذي يعني أن القوة لوحدها لا تكفي لتحقيق النصر أو التفوق.
وفي إطار التمييز بين الواقعيتين الكلاسيكية والبنيوية يقول ميرشايمر: يعتقد الواقعيون أن القوة تعد بمثابة العملة المقبولة في السياسة الدولية، فالقوى العظمى، التي هي الفاعل الرئيسي لدى الواقعيين، تولي إهتماماً بالغاً لقوتها الإقتصادية والعسكرية النسبية مقارنة بغيرها، إنه ليس من المهم حيازة الدولة لمقومات قوة كبيرة، لكن المهم أيضاً التأكد من أن دولاً أخرى ليس بمقدورها إحداث تحول حاد في ميزان القوى لصالحها.
أما عند الواقعيين البنيويين فإن الطبيعة البشرية ليست لها علاقة تذكر برغبة الدول في القوة. ذلك بأن هيكل أو بنية النسق الدولي هو الذي يفرض على الدول مواصلة السعي إلى القوة، لذلك يصبح من المنطقي أن تسعى كل دولة أن تكون قوية بما يكفي لحماية ذاتها، في حال تعرضها للهجوم ([5]) .
أما ما يتعلق بالقيم الأساسية للنظرية الليبرالية فقد آمن الليبراليون بجملة من القيم التي اتبعوها كمبادئ واجبة عليهم، ولقد كانت تتأثر بالتطور الحاصل للنظرية، إلا أنها ظلت القيم التي يرتكز عليها الليبراليون كما هي([6]): الحرية: تعتبر الحرية القيمة الأساسية والهامة فهي أسمى قيمة سياسية، وهي أعلى مبدأ أخلاقي والأكثر حيويةً، ويقصد بها امتلاك الإرادة.
المساواة: للمساواة مكانة عالية، فهي فكرة أساسية لنظرية السياسية الحديثة فهي نشأت في عصر التنوير، وأن الدولة مطلوب منها تقديس الحريات المتساوية والحقوق المتكافئة.
العدالة: إحدى أقدم المفاهيم في النظرية السياسة الغربية وهي من القيم التي تتبناها النظرية الليبرالية باعتبارها من القيم ذات الأهمية، وترى بأنها تشمل المبادئ التي يتم بها توزيع المنافع العامة “العدالة التوزيعية”.
2-القوة الذكية وإعادة رسم التحالفات الاستراتيجية فى الشرق الأوسط
يعتبر ظهور مفهوم القوة الذكية، استمراراً للنقاشات الفكرية حول طبيعة القوة فى العلاقات الدولية. حيث ركزت المدرسة الواقعية الكلاسيكية والواقعية الجديدة على القوة الصلبة بمفهومها العسكري، باعتبارها الوسيلة الأساسية لتحقيق المصالح الوطنية في فوضى البيئة الدولية. من هنا ارتبط مفهوم القوة الصلبة بمفهوم القدرة العسكرية والاقتصادية التي سمحت للدولة من فرض إرادتها على الآخرين عبر الردع أو الإكراه. لكن الشواهد التاريخية والمتغيرات الدولية، منذ نهاية الحرب الباردة، أظهرت أن الإعتماد المنفرد على القوة الصلبة مكلف وغير كاف، خصوصاً مع ظهور الفاعلين غير الدوليين، وقضايا غير تقليدية كالإرهاب، والهجرة.
نتيجة لذلك قدم جوزيف ناي، في مطلع التسعينيات مفهوم القوة الناعمة، ليعبر عن قدرة الدولة على التأثير في سلوك الآخرين عبر الجاذبية والإقناع بدلاً من الإكراه، ويعتمد هذا المفهوم على جاذبية الثقافة والقيم السياسية، والسياسات الخارجية للدولة، وتركز هذه القوة على ثلاثة مصادر رئيسية: الثقافة، والقيم السياسية، والسياسات الخارجية ذات المصداقية. ولقد لقى هذا المفهوم رواجاً واسعاً خاصة في الأدبيات الأمريكية بعد إدراك محدودية التدخلات العسكرية المكلفة، مثل حرب فيتنام ثم غزو العراق وأفغانستان.
إلا أن القوة الناعمة وحدها بدت عاجزة في مواجهة قوى صاعدة أو تنظيمات مسلحة لا تهتم بالجاذبية الثقافية و الديمقراطية ([7]).
وآخرما كتبه جوزيف ناي ما نصه: “أخشى أن الرئيس ترامب لا يفهم القوة الناعمة، إذا كنا نعتقد أن القوة مزيج من العصا (العسكرية) والجزرة (الاقتصادية) والعسل (الناعمة)، فإن ترامب يتخلى عن العسل، ولكن إذا استطاع أن يجعل هذه العناصر الثلاثة تعزز بعضها بعضا، فسيُنجز الكثير. يمكنك الاقتصاد أيضا من استخدام العصا والجزرة إذا كنت تتمتع بجاذبية العسل، ولذا، عندما تلغي شيئاً مثل المساعدات الإنسانية من الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أو تُسكِت صوت أميركا، فإنك تحرم نفسك من إحدى أدوات القوة الرئيسية” ([8]) .
من هنا يمكن القول أن القوة الذكية ليست مجرد دمج حسابي بين القوة الصلبة والقوة الناعمة، بل هي قدرة استراتيجية على إختيار الأداة المناسبة في التوقيت والسياق المناسبين، فهي تمثل شكلاً متقدماً من التفكير الاستراتيجي في العلاقات الدولية، وتفسر بدرجة كبيرة ديناميكيات بناء التحالفات وإدارة التوازنات في بيئات مضطربة مثل الشرق الأوسط، ويمكن تفسير ذلك من خلال التحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط بعد 2011. حيث شهدت المنطقة تحولات جذرية يمكن وصفها بمرحلة إنتقالية عميقة، تجاوزت أثارها الحدود الوطنية، إذ أدت إلى سقوط أنظمة راسخة في مصر وتونس وليبيا واليمن، وأشعلت حروباً أهلية مدمرة في سوريا وليبيا واليمن، وخلقت بيئة إقليمية يسودها عدم اليقين الاستراتيجي، وقد انعكس ذلك مباشرة على شكل التحالفات التقليدية، إذ اهتزت المحاور القائمة على أسس أيديولوجية، أو تاريخية، لتفسح المجال أمام تحالفات جديدة أكثر براغماتية ومرونة ([9]).
إن النظرة التحليلية لمكامن القوة الذكية تظهر وبكل وضوح تراجع فعالية أدوات القوة الصلبة كخيار واحد منفصل، بالمقابل لم تعد القوة الناعمة قادرة على إدارة المشهد الإقليمي المتشابك المتخم بالأزمات الأمنية والإقتصادية والهوياتية. وعليه برزت القوة الذكية كإطار برغماتي يتيح للدول الإستخدام المدمج للردع العسكري والإقتصادي مع الجاذبية الثقافية.
المبحث الثاني: الأبعاد السياسية والتحولات في الاستراتيجية الأميركية في الشرق الأوسط
يمكن الحديث عن الأبعاد السياسية والاستراتيجية للسياسات الأميركية التي تشكل الإطار الذي تتحرك ضمنه الولايات المتحدة في علاقاتها الدولية وتوجهاتها العالمية. وهذه الأبعاد هي: الأبعاد السياسية تشمل الهيمنة والحفاظ على النظام الدولي الليبرالي، وتثبيت واشنطن لقيادتها للنظام العالمي، ومنع ظهور قوى منافسة قادرة على تغيير موازين القوى. تستخدم الولايات المتحدة الديمقراطية وحقوق الإنسان كأداة نفوذ، وتبرير تدخلاتها السياسية للضغط على الكثير من الأنظمة التي لا تتوافق مع مصالحها، لكنها غالباً تتعامل بانتقائية، فتدعم أنظمة غير ديمقراطية إذا كانت تخدم مصالحها الأمنية أو الاقتصادية. كما تستخدم الولايات المتحدة أدوات أخرى كالتحالفات والشراكات الإقليمية والدولية لتنفيذ مصالحها، مع إعتمادها على سياسة القيادة من الخلف لتقليل التكلفة. إضافة إلى استخدام القوة الذكية ( الردع الدبلوماسي والعقوبات ).
أما ما يتعلق بالأبعاد الاستراتيجية، فهي تعتمد على ضمان تفوقها العسكري، واستثمار ذلك في تحديث ترسانتها النووية وتطوير التكنولوجيا العسكرية المتقدمة، إضافة إلى حماية مصادر الطاقة، وتأمين الممرات الحيوية، والإستثمار في الفضاء السيبراني. منذ انتهاء الحرب الباردة، واجه صناع القرار الأمريكيون معضلة جوهرية: كيف يمكن الحفاظ على الاستقرار السياسي في منطقة الشرق الأوسط، مع ضمان الهيمنة الأمريكية دون تدخل مباشر دائم؟. في هذا السياق، برزت فلسفتان متعاقبتان في الإستراتيجية الأمريكية تجاه الشرق الأوسط حسب وجهة نظر أحمد ناجي قمحة ([10]):
الفلسفة الأولى: تتمثل في ملء الفراغ السياسي بالدين: نشأت هذه الفكرة في التسعينيات، حيث اعتُبر أن الإسلام السياسي المعتدل يمكن أن يكون صمام أمان اجتماعيا وسياسيا، يمنع الفوضى ويحول دون التطرف، ويُسهم في ضبط المجتمعات بعد تراجع المشروعين القومي واليساري.
الفلسفة الثانية: الفوضى الخلاقة: في أعقاب أحداث 11 سبتمبر 2001 وصعود المحافظين الجدد، طرحت إدارة بوش الإبن أطروحة جديدة تعتبر أن الاستقرار السلطوي هو بيئة خصبة للتطرف، وأن تفكيك الأنظمة قد يطلق “فوضى خلاقة” تعيد تشكيل المنطقة وتسمح ببناء نظم جديدة أكثر انفتاحاً وتوافقاً مع المصالح الأمريكية. لكن المفارقة أن الفلسفتين لم تمثلا توجهين متناقضين، بل تعاقبتا وتداخلتا، خاصة مع موجات الربيع العربي، حيث تم توظيف الإسلاميين في سياقات الفوضى، ما أنتج وضعاً إقليمياً معقداً وغير قابل للسيطرة.
إدارة النفوذ بين الاحتواءِ والصراع: لو أخذنا العلاقات الصينية الأمريكية كمثال لإدارة النفوذ لوجدنا أنها تتسم بوضوح العلاقة مع الحذر الشديد، فالعلاقات الصينية الأمريكية تمثل نموذجاً فريداً من العلاقات الثنائية، إذ تجمعُ بين كافة عناصر التنافر والتنافس والتعاون، حيث تشهدُ أحياناً تعاون استراتيجي وتبادل تجاري يصل حد التكاملِ الثنائي، وأحياناً أخرى تَصِلُ حد النزاع والخصام، بدرجات متفاوتة.
وقد تتّأرجحُ علاقتُهُما في منتصفِ الطريقِ بين الاِندماجِ وحافة الهاويةُ، أو التهديدِ بشن “حرب تجارية” متبادلة، انتقاماً من سياسات أو إجراءات يتّخذُها طرفاً تجاه الآخر، خاصة في المجال التجاري، أو الأمني حيث الخلاف في بحر الصين الجنوبي والشرقي وشبة الجزيرة الكورية وأمن المحيط الهادئ. ومع ذلك فان العلاقة بين الصين والولايات المتحدة تُوصف بأنها العلاقة “الأكثرُ أهميةً في العالم” أو علاقة “الإثنين الكبار” “G2” في النظام الدولي، والتي تُطلق عليهما حصراً. يمتلك البلدان شبكة مصالح واسعة، ويسعيان لزيادة نفوذهما العالمي سياسياً واقتصادياً.
فالصين، كقوة صاعدة، تتبنى استراتيجيات لتعزيز حضورها الدولي، بينما تواصل الولايات المتحدة أداء دورها كقوة مهيمنة في نظام أحادي القطبية، ورغم اعتراف الصين بمكانة واشنطن ومصالحها، خاصة في المحيط الهادئ، إلا أنها تختلف معها بشأن مناطق النفوذ في آسيا، وتفضل الحلول الدبلوماسية والتعاون الأمني ( [11] ). لو نظرنا إلى العلاقة البنيوية بين الصين والولايات المتحدة، لوجدنا أنها تقوم على مبدأ التشابكية والتشاركية، مع بقاء الدور التنافسي سيد الموقف، مع بقاء قنوات الإتصال مستمرة في التشبيك بعيداً عن التفكيك. وهذه حالة خاصة في العلاقة الصينية-الأمريكية.
لكن العلاقة الأمريكية مع دول شرق أوسطية، تقوم على سياسة التفكيك وإدراة النفوذ، أساسها تفكيك بعض الأنظمة، وإدارة ضبط إيقاع السلوك السياسي لها، وتوزيع أدوار القيادة والسيطرة وفق الرؤية الأمريكية – الإسرائيلية. لذلك هل يمكن أن نسأل أنفسنا هذا السؤال: هل نحن أمام حالة من التفكيك الاستراتيجي والتركيب الإضطراري؟، وهل الشرق الأوسط الجديد هو المشروع المعلن اصطلاحاً والمخفي تنفيذاً؟، يتداوله الجميع وما زالت مخططاته مجهولة.
منذ أعلنت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس مفهوم “الشرق الأوسط الجديد“ في يونيو 2006، ووصفته بأنه: “مخاض ضروري لولادة شرق أوسط جديد” خلال الحرب اللبنانية عام 2006. هذه الرؤية طرحتها إدارة بوش، ويرتبط مفهومها غالبا بمفهوم “الشرق الأوسط الكبير” واستراتيجية “الفوضى الخلاقة ” بهذا الإعلان بداً واضحاً أن المقصود ليس مجرد تحالفات أو تسويات دبلوماسية، بل إعادة ضبط المجال الجغرافي والسياسي للمنطقة وفق محددات جديدة.
لم يكن الهدف فقط تغيير الأنظمة، بل تفكيك النسيج الداخلي للدول، وتحويل الكيانات السياسية إلى وحدات مرنة: قابلة للدمج، أو التفتيت، أو التحييد. كما لم تكن الغاية نشر الديمقراطية كما رُوّج لها، بل خلق فراغات قابلة للملء، وهويات قابلة للإدارة، ونزاعات قابلة للتوظيف. فأمريكا لا تدخل أرضاً إلا حين تتأكد أن بنيتها الاجتماعية قابلة للتجزئة، وأن مركز القرار فيها قد تآكل، وأن القواعد السياسية القديمة لم تعد صالحة للاستعمال.
إن الولايات المتحدة الأمريكية تعيد ترتيب أولوياتها في منطقة الشرق الأوسط، مستندة إلى معادلات جديدة فرضتها التغيرات الإقليمية والدولية، فبعد سنوات من التصعيد العسكري والضغط على إيران، تعود واشنطن لطاولة المفاوضات مع طهران، في محاولة لخلق تسوية سياسية معها، وللحد من تهديدات حلفاء طهران الإقليميين، وعلى رأسهم جماعة الحوثى في اليمن([12]).
التحول في النهج الأمريكي ليس معزولاً عن التطورات الميدانية والسياسية، بل يعكس قراءة واقعية لتعقيدات المشهد في المنطقة، وإدراكا بأن الحلول العسكرية، لم تعد قادرة على تحقيق الأهداف الاستراتيجية، لكن لماذا تعود واشنطن إلى الدبلوماسية؟، وما الذي تغير في الحسابات الأمريكية، وهل لهذا التحول صلة بالسياق الأوسع المتعلق بإسرائيل والأمن الإقليمى؟.
يبدو أن الإدارة الأمريكية برئاسة دونالد ترامب تدرك أن اللجوء إلى الخيار العسكري ضد إيران يحمل مخاطر كبيرة، ويعد مقامرة غير مضمونة النتائج، فبينما تنتشر المنشآت النووية الإيرانية في مواقع مختلفة ومعززة بأنظمة دفاع متطورة، يصعب تحقيق ضربة يمكن أن توقف البرنامج النووي بشكل كامل، وحتى إن تم تنفيذ ضربات نوعية، فإن الرد الإيرانى المحتمل سيكون على مصالح الولايات المتحدة وحلفائها في الخليج، كما أن أي مغامرة عسكرية أمريكية ستجعل الولايات المتحدة أمام تحديات كبيرة في الداخل، حيث تسود حالة من الرفض الشعبي لأي تدخل جديد في الشرق الأوسط بعد تجارب العراق وأفغانستان، بالتالي فإن العودة إلى المسار الدبلوماسي يمثل خياراً أكثر واقعية في الوقت الحالي لواشنطن.
المبحث الثالث: إعادة تشكيل التحالفات في منطقة الشرق الأوسط
يبدو أن مفهوم الإعتماد على الضمانات التقليدية مع الولايات المتحدة تراجع بشكل كبير، وبدأت بعض الدول العربية تبحث عن بدائل، من خلال التطبيق العملي لأدبيات مفهوم إعادة تشكيل التحالفات في منطقة الشرق الأوسط، يشير هذا النهج إلى عمل جماعي تشاركي، تتبناه دول المنطقة، لصالح شعوبها، وليس مفهوماًعسكرياً وأمنياً بعيداً عن الإقتصاد والثقافة. فالمبحث بينها يعني أن هناك تهديدات ومخاوف تدفع نحو التحالف، وأن هناك قوى تدفع نحو انتقاء وحدات هذا التحالف، لصالح دولة أو أكثر على حساب مصالح دول مقابل مكاسب قليلة. أما إن وجدت الدولة القدوة والكبرى القادرة على بناء هذه التحالفات بالمنفعة والتشاركية ذات المصالح العامة والمتبادلة فهذا جيد، وإلا فالبحث عن البديل هو الخيار التالي.
يبدو أن الولايات المتحدة غير مستعدة بشكل كامل لمرحلة إعادة بناء التحالفات في الشرق الأوسط بسبب تضارب الأولويات وتراجع دورها، ما يدفع الدول إلى إعادة تقييم تحالفاتها والبحث عن شركاء جدد. بينما تظل الولايات المتحدة لاعباً رئيسياً، فإن سياستها الحالية التي تتميز بالتشتت أو ضعف النفوذ الظاهري أثرت على مصداقيتها، مما أجبر الحلفاء القدامى على البحث عن خيارات بديلة.
التحديات التي تواجه إعادة بناء التحالفات:
-تراجع الدور الأمريكي، ما دفع الشركاء التقليديين إلى التشكيك في مصداقية الولايات المتحدة.
-غياب رؤية واضحة،يُنظر للولايات المتحدة على أنها “مشتتة” أو “غير مهتمة”.
-صعوبة تحليل الواقع، هناك صعوبة في التحليل الاستراتيجي بعيداً عن المنظور الأمريكي.
-الموقف الإقليمي المتغير، بعض الدول العربية، التي كانت تعتمد على الولايات المتحدة، بدأت في إعادة النظر في علاقاتها بسبب السياسات الأمريكية الأخيرة. إلا أن بعض النظم الاستبدادية تفضل الولايات المتحدة كحليف، لكنها تحاول البحث عن خيارات إضافية.
بناءاً على ما تقدم يبرز تساؤل مهم جداً: هل نحن أمام تغيرات مهمة في البيئة الإستراتيجية في الشرق الأوسط؟
ورد في تقرير”الصراع في الشرق الأوسط وملامح التغيير في البيئة الاستراتيجية” مايلي ([13]): شكل الصراع الذي يشـهده الشـرق الأوسـط منذ عملية طوفان الأقصى فــي الســابع مــن أكتوبــر 2023، اضطرابــاً عميقـاً فــي البيئــة الاســتراتيجية المســتقرة فــي المنطقــة منــذ ســنوات، حتــى بــات مــن غيــر المعلــوم كيــف سـيصبح المشـهد الإقليمـي عشـية انتهـاء هـذه الحـرب، حيـث تشـتبك أطـراف دوليــة وإقليميــة متعــددة فــي هــذا الصــراع، ويتجــاذب الإقليــم محاولــة مــن جانــب إســرائيل وإيــران لفــرض أمــر واقــع جديــد علــى المنطقــة، كمــا تنخــرط الولايــات المتحــدة فــي هــذا الصــراع فــي محاولــة لإعــادة ترتيــب أوراقهــا الإقليميــة، وصياغــة توازنــات جديــدة تخــدم تطلعاتهــا، وهــذه التوجهــات لا تبــدو ضاغطــة علــى محــور إيــران وحســب باعتبــاره الجهــة التــي توجــه إليهــا العمليــات العســكرية الإسرائيلية والأمريكيــة، ولكــن هــي محاولــة لإحتــواء النزعـة الإقليميـة المتناميـة، لبناء رؤيـة إقليميـة للأمـن والإسـتقرار الإقليمي بعيــداً عــن الإســتقطاب والإنخــراط فــي المحــاور المتصارعــة .
يلاحظ أن هــذا الصــراع متعــدد الأطــراف والجبهــات، ويحتوي علــى قــدر هائـل مـن المصالـح المتضاربـة بيـن الفاعليـن على المستويين الإقليمي والدولي، لإحداث تغييـرات جوهريـة ليـس فقط فـي ميـزان القـوة بيـن أطـراف الصـراع، ولكـن تغييـرات إســتراتيجية ذات طابــع بنيــوي فــي هيــكل النظــام الإقليمــي وقواعــده وتحالفاتـه، وهـذا مـا عبـر عنـه الرئيـس الأمريكـي جـو بايـدن بقولـه، إن الوضـع فــي الإقليــم لــن يعــود كمــا كان فــي الســادس مــن أكتوبــر، أي قبــل عمليــة طوفــان الأقصــى، وعبــر عنــه كذلــك ســفير إســرائيل لــدى الولايــات المتحــدة هيرتـزوج، بقولـه: كانـت إسـرائيل دولـة فـي السـادس مـن أكتوبـر وأخـرى فـي السـابع مـن أكتوبـر، والحقيقـة أن إشـارة بايـدن وسـفير إسـرائيل لـدى واشـنطن بقـدر مـا توصـف هـذا الزلـزال الاسـتراتيجي الـذي ضـرب المنطقـة، بقدر ما تشير إلـى رغبـة أمريكيـة إسـرائيلية فـي إحـداث تغييـر واسـع النطـاق فـي المنطقـة ( [14] ).
ويعود السبب في ذلك ([15]) إلى أن المنطقة شهدت تحولات وصراعات إمتدت آثارها إلى الساحة العالمية، مثل التنافس بين القوى الإقليمية في المنطقة، وصعود قوى غير تقليدية مثل التنظيمات والميليشيات المسلحة، ما دفع بالولايات المتحدة للحفاظ على وجود عسكري قوي في المنطقة، بهدف حماية مصالحها. فقامت الولايات المتحدة بالعمل على موازنة النفوذ الإقليمي للقوى المنافسة مثل إيران وروسيا والصين، إذ تسعى إيران لبسط نفوذها في العراق وسوريا ولبنان، بينما تعمل روسيا على تعزيز وجودها العسكري والسياسي في سوريا وغيرها من دول المنطقة. كما يتنامى الدور الصيني اقتصادياً وسياسياً وفي مرحلة لاحقة أمنياً في منطقة الشرق الأوسط، ولاسيما في منطقة الخليج. كما برزت تركيا بوصفها فاعلًا إقليمياً ديناميكياً يتأرجح بين الواقعية السياسية والمشاريع الأيديولوجية.
1-التفاعلات الإقليمية و صياغة الشرق الأوسط الجديد([16]):
منذ اندلاع الثورات العربية في 2011، تشهد منطقة الشرق الأوسط حالة من السيولة الاستراتيجية غير المسبوقة حيث تفككت أنظمة و تصدعت تحالفات وتبدلت مراكز النفوذ . في قلب هذه التحولات برزت ثلاث قوى إقليمية كفاعلين رئيسيين في رسم ملامح الشرق الأوسط الجديد (إيران، تركيا، إسرائيل) وبينما تختلف دوافع كل قوة و أدواتها، فإن تفاعلاتها المتداخلة سواء بالتعاون أو الصراع لعبت دوراً محورياً في إعادة تشكيل الخريطة السياسية للمنطقة وفي تكوين مفهوم جديد للشرق الأوسط لا تحكمه حدود ما قبل 2011.
حيث سعت إيران إلى تعميق حضورها في المنطقة مستغلة حالة الانهيار في دول المركز العربي عبر شبكات نفوذ متعددة (حزب الله في لبنان، الحشد الشعبي في العراق، الحوثيين في اليمن، المليشيات الشيعية في سوريا) فتبنت إيران استراتيجية ” التمدد غير المباشر” كوسيلة لإعادة صياغة التوازنات الإقليمية لصالحها.
2-مستقبل النظام السياسي الإقليمي وآفاق الاستقرار
مما تقدم نرى أن ميزان القوى في الشرق الأوسط تغير بشكل كبير ومذهل، فمستوى القوة لدى إيران تراجع أمام النفوذ الإسرائيلي الآخذ في التوسع أكثر فأكثر، إسرائيل هي الآن القوة الأكبر في الشرق الأوسط، وحلم إسرائيل الكبرى أصبح الآن قابل للتحقق فمعظم دول المنطقة الآن أصبحت أكثر فأكثر مرتبطة بالنفوذ الإسرائيلي أو الأمريكي الذي يهمه بقاء إسرائيل القوة المهيمنة وبعد إضعاف قدرات إيران من خلال ضرب أذرعها والضربات الجوية الأمريكية التي تسببت في تعطيل البرنامج النووي بشكل مؤقت([17])،أصبحت الخطوة التالية هي تغيير النظام السياسي الإيراني وهذا ما صرح به دونالد ترامب([18])، وخصوصاً أن هنالك العديد من الأفواه المعارضة للنظام الإيراني داخل ايران وخارجها، ولكن من باب الموضوعية يجب أن نذكر أن هنالك قطاع لابأس به من الشعب الإيراني على الرغم من عدم دعمه للنظام الحالي إلا أنه أيضاً يصطف معه ضد الهجمات الأمريكية والإسرائيلية كذلك والوقت وحده سيخبرنا بما سيحدث مستقبلا ([19]).
بناءً على ما تقدم، يمكن طرح هذا التساؤل: هل هناك مستقبل للشرق الأوسط الجديد وهل هناك آفاق للإستقرار؟، الإجابة ليست بتلك البساطة، مستقبل النظام السياسي الإقليمي، يعتمد على توازن معقد بين القوى الإقليمية والدولية، ويواجه تحديات كبيرة كالنزاعات والصراعات، والتغيرات الديموغرافية والاقتصادية، والقضايا المناخية. ويظل الاستقرار الإقليمي رهين القدرة على معالجة هذه القضايا الجذرية عبر الحوار، التعاون، والآليات الدبلوماسية الفعالة، مع تداخل واضح بين دور القوى الكبرى والفاعلين الإقليميين.
كما تعتبر الهشاشة السياسية والاقتصاديةللدول، عامل مساعد على عدم الإستقرار، مصحوبة بضعف الدولة الوطنية في تحقيق الأمن والسيطرة الإقليمية، بسبب الأنشطة الإرهابية والجريمة المنظمة والانقلابات العسكرية. مع إتساع ظاهرة الفقر والبطالة، نتيجة التفاوت الاقتصادي المتزايد بين دول المنطقة.
3- قراءة تحليلية لمبدأ ترامب في إعادة تشكيل الشرق الأوسط:
إن القراءة التحليلية لمبدأ الرئيس الأمريكي ترامب، لابد أن تنطلق من دراسة لشخصيته، القائمة على الإرث الذي تركه ترامب خلال رئاسته الأولى (2017-2021)، فيما يتعلق بالقرارات التي اتخذها والآثار وما ترتب عليها، لذلك أُتفق على أن ترامب يتصف بأنه([20]):
- يتمتع بشخصية التاجر الذي يُدخل البعد الاقتصادي ومدى تحقيق المكاسب والخسائر المادية في كل القرارات التي يتخذها.
- لديه سمة نرجسية تدفعه إلى الرغبة في الإنجاز والتميز عن الآخرين حتى لو بمجرد المخالفة. إضافة إلى البعد الأيديولوجي المسيحي الذي يميزه.
- يعتبر شخصية غير متوقعة في قراراتها أو تصرفاتها، وهذا يعود لتركيبة فريقه الرئاسي، بين فريق متمرد على الدولة العميقة، وآخر تقليدي في السياسة الأميركية.
- ترامب أقل ميلاً للنزعة العسكرية وشن الحروب، لذلك يمارس أقصى العقوبات لكنه لا يدخل في حرب، خاصة في التعامل مع إيران.
- البعد الوطني في شخصية ترامب واضح جداً، وتكون له الصدارة في قراراته ويعلو على تحديات السياسة الخارجية للولايات المتحدة.
بالمقابل تحدث البعض عن سلوكيات قام بها الرئيس ترامب سابقاً وسيقوم بغيرها مستقبلاً إنطلاقاً من ممارسات وسلوكيات تميز بها. جاء الرجل لا كصوتٍ إصلاحي يحاول إعادة إنتاج العالم، بل كحامل ميزان صفقة يريد أن يقيس به حجم المكاسب لا عمق التحولات، وأن يُخضع منطق التغيير لقواعد السوق لا لمنظورات القيم أو نظريات الانتقال الديمقراطي.
وفي هذا السياق، لم يكن مبدأ ترامب في الشرق الأوسط مبدأ بالمعنى الذي اعتدناه مع ترومان، أو كارتر، أو بوش، بل حالة فلسفية نقيضة لكل ما سُمي سابقا بالالتزام الأخلاقي للدبلوماسية الأميركية. فقد أسس ترامب لمقاربة لا تقوم على تصدير النماذج السياسية، ولا على التدخل التغييري، بل على إعادة تعريف الشرعية من خلال نفعيتها لا عبر مشروعيتها، وعلى تحييد الديمقراطية بوصفها عاملًا مكلفاً لا استثماراً إستراتيجياً مضمون العائد.
ففي عالم تسوده بردايم((Paradigm الصفقة، قرر ترامب أن ينأى بسياسة بلاده عن منطق الوصاية التحديثية، وأن يستبدل خطاب (من سيحكم) بخطاب كيف يمكن أن يُحكم دون أن يُزعج المصالح. وهنا تتجلّى فلسفته بوصفها رفضاً صريحاً للتورط في مشاريع تحولية مفتوحة، واختياراً واعياً للإستقرار القابل للتوظيف، مع ما يرافقه من براغماتية حذرة لا تستغرق في أيديولوجيا التغيير، بقدر ما تنشد قابلية التفاهم الإستراتيجي.
ففي زيارة ترامب للخليج وفي الرياض بالتحديد، صرح بوضوح بأن ما سُمي بالمشروع الديمقراطي في كل من بغداد وكابل لم يكن إلا مغامرة خاسرة استنفذت الجهد والموارد دون أن تُنتج نماذج قابلة للحياة أو التكرار. وقدّم في المقابل رؤية بديلة، قوامها التفاهم مع الأنظمة القائمة وفق صيغة متوازنة تحفظ المصالح المتبادلة وتعفي الطرفين من كلفة الإملاء أو الصدام القيمي. فلسفة ترامب في الشرق الأوسط ليست مجرد توجهات ظرفية، بل رؤية متكاملة تُعلي من شأن الاستقرار التوافقي، وتؤجل أسئلة التحول السياسي إلى أجل غير مسمى. إنها مقاربة لا تستند إلى القيم الليبرالية التقليدية، بل إلى ضرورات التوازن الإقليمي، وإدارة النفوذ ضمن هندسة مصالح مرنة، من هنا يتّضح أن مبدأ ترامب لم يكن وثيقة مكتوبة، بل خطاباً مضمَراً صاغته الوقائع أكثر مما صاغته الأدبيات، وبلورته النتائج أكثر ممّا بلورته النوايا ([21]).
يمكن أن نخلص إلى صورة أكثر وضوحاً لما يمكن أن يطلق عليه الشرق الأوسط الجديد، وتنطلق تلك الصورة التغيرية من خلال التغيرات الجيوسياسية والجيومكانية، لتبدو ملامح “الشرق الأوسط الجديد” الذي يطرحه الرئيس الأمريكي، كنظام إقليمي تقوده الولايات المتحدة، ويهيمن عليه تحالف بين السعودية وإسرائيل، مع تراجع الدور الإيراني وتهميش قضايا مثل القضية الفلسطينية، بهدف تأمين المصالح الأمريكية والاحتواء الاقتصادي لمنع النفوذ الروسي والصيني.
4-ملامح الشرق الأوسط الجديد:
تبدو ملامح الشرق الأوسط الجديد ظاهرة للعيان، من خلال إعادة تشكيل التحالفات، لتشمل الولايات المتحدة كلاعب رئيسي، وإسرائيل كقوة مهيمنة، والسعودية كقوة إقليمية ثانية، بعد القوة الإقليمية التركية، هدف هذه الهيمنة المشتركة هو فرض النظام الجديد. الهدف النهائي من إعادة تشكيل الشرق الأوسط الجديد، هو خلق فضاء إقليمي خالٍ من التهديدات التي تواجه إسرائيل والولايات المتحدة، مع حصار التواجد الروسي والصيني في المنطقة من خلال التحكم في الموارد الاقتصادية والمالية، وذلك من خلال اتفاقيات السلام والتطبيع، مثل اتفاقيات السلام بين إسرائيل والدول العربية.
إلا أن هناك تحديات تواجه هذا المشروع قد تعطل إن لم تؤجل القيام به، من أبرز هذه التحديات القضية الفلسطسنية، واليوم التالي لإنتهاء الحرب على غزة، ومن ثم مكافحة الإرهاب والتطرف، والذي مازال يكتنفه الغموض من حيث التعريف والتوصيف.
المبحث الرابع: المتغيرات الإقليمية المؤثرة في التحالفات
عطفاً على ما جاء في المبحث السابق، فمن البديهي تتأثر التحالفات الإقليمية بعوامل متعددة، كما أسلفنا، وأهمها التنافس بين القوى الكبرى، وتغير توازنات القوى الإقليمية، ودور الدول غير العربية الصاعدة. كما تلعب العوامل الاقتصادية، العسكرية، الثقافية، والتكنولوجية، دوراً حاسماً في تشكيل هذه التحالفات وإعادة تشكيلها.
1-العوامل المؤثرة في التحالفات الإقليمية:
- تنافس القوى الكبرى، التنافس بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.
- تغير توازنات القوى الإقليمية، صعود بعض القوى الإقليمية وتراجع البعض الآخر، مثل صعود تركيا مقابل تراجع إيران، وإعادة تشكيل اصطفافات وتحالفات جديدة.
- دور الدول غير العربية، يؤثر صعود دور الدول غير العربية في الإقليم وتنامي نفوذها على التحالفات التقليدية وتهميش دور الدول العربية في بعض الأحيان.
- العوامل الجيوسياسية الداخلية، تؤثر المتغيرات الجيوسياسية على تشكيل التحالفات.
- العوامل الاقتصادية والثقافية والتكنولوجية، يمكن أن تؤثر هذه العوامل في التحالفات عبر تشكيل مصالح مشتركة أو فرض تحديات جديدة.
- دور المنظمات الإقليمية والدولية، تلعب المنظمات الإقليمية دوراً هاماً في إدارة النزاعات والتأثير على التحالفات.
من خلال دراسة العوامل المؤثرة في التحالفات الإقليمية السابقة، نحاول الآن استعراض أبرز المتغيرات الدولية وتداعياتها على النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. حيث تشير التحولات الدولية إلى حدوث متغيرات دولية جوهرية لن تتوقف تأثيراتها عند دولة بعينها، بل تمس غالبية الدول، مثلما جرى بالمراحل السابقة لتحول النظام الدولي، وتحدث هذه التحولات على مستوى بعينه، أو على كافة المستويات: السياسية، مثل تحديات القوى الدولية الصاعدة للقواعد المستقرة في النظام الدولي القائم، أو إعادة اصطفاف القوى الدولية في محاور جديدة تتعارض وتوجهات النظام الدولي لهذه التحولات مع تبنيها سياسات التطويق الدولي، وإدراك القوة أو القوى المتحكمة في النظام الدولي لهذه التحولات مع تبنيها سياسات التطويق للقوى الدولية الصاعدة.
ومن أبرز هذه المتغيرات مايلي: الحرب الروسية الأوكرانية، التوجهات الأمريكية للإنسحاب من الشرق الأوسط، ملف إيران ودول الخليج، القضية الفلسطينية وطوفان الأقصى، كل هذه العوامل مجتمعة، أحدثت حالة إنعدام الأمن في الشرق الأوسط. حيث تعتبر منطقة الشرق الأوسط منطقة غير مستقرة شهدت صراعات سياسية وعسكرية، والعديد من الحروب والاضطرابات المسلحة ذات الجذور التاريخية العميقة، وعلى رأسها الصراع العربي الإسرائيلي. بجانب ما يتعلق بحل هذه الصراعات من مصادر جديدة للتوتر الإقليمي والتي تظهر بمرور الوقت([22]).
إذا كانت بعض المتغيرات التي تحدثنا عنها سابقاً متغيرات سلبية، فهناك متغيرات إيجابية خاصة من وجهة النظر العربية، ومن أبرزها الإتفاق السعودي – الإيراني. والذي أعطى بارقة أمل في انتهاء حقبة من الصراع المباشر وغير المباشر بين الدولتين، شكّل إعلان مارس عام 2023، عن استئناف العلاقات الدبلوماسية بين المملكة العربية السعودية وإيران لحظة مهمّة للشرق الأوسط. والذي توسطت الصين في تحقيقه، إنهاء الصراع المدمّر المستمرّ منذ سنوات في اليمن، ومعالجة التوتّرات الجيوسياسية في بلدان أخرى.
فمن وجهة النظر السعودية، قد ينهي هذا الاتفاق الهجمات الإيرانية بالوكالة على منشآت النفط السعودية، ومن ضمنها غارات الطائرات بدون طيار التي يشنّها من اليمن الحوثيون المدعومون من إيران. وبالنسبة للإيرانيين، يمكن للإتفاق أن يخفّف الضغوط الخارجية على الجمهورية الإسلامية وحكّامها الذين يقارعون انتفاضة وجودية غير مسبوقة. مع ذلك، لن يجلب هذا الاتفاق السلام إلى منطقة الشرق الأوسط الأوسع في الوقت القريب. فقد انغمست المملكة العربية السعودية وإيران لعقدين من الزمن في حروب بالوكالة في العراق ولبنان وسوريا واليمن، كجزء من صراع إقليمي شرس على النفوذ الجيوسياسي. حتى لو عادت المياه إلى مجاريها بين الرياض وطهران، سيكون من الصعب جداً عليهما كبح جماح هذه القوّات التي أطلقتا عنانها، وسيكون لوكلائهما رأي حاسم في مستقبل المنطقة ([23]).
ضمن هذا السياق هناك أيضاً إتفاقية الدفاع المشترك بين المملكة العربية السعودية وجمهورية باكستان الإسلامية. تلك الإتفاقية التي وُقعت في 17 سبتمبر 2025 من قبل ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف، في الرياض. وجاء ذلك على خلفية الضربات الإسرائيلية على قطر وعقب القمة العربية الإسلامية الاستثنائية في الدوحة.
يمكن القول بأن “اتفاقية الدفاع الإستراتيجي المشترك”، أسست لمرحلة جديدة في مسار التعاون الذي يميز العلاقات التاريخية بين السعودية وباكستان، كما تُعتبر هذه الخطوة منعطفاً في السياسات الدولية بمنطقة الشرق الأوسط وجنوب آسيا، والتي سيكون لها صدى من الناحية السياسية والجيوسياسية على المستويين الإقليمي والدولي، نظراً لتشابك الفضاء الجيوسياسي الممتد والذي تتقاطع فيه الدوائر الأمنية السعودية والباكستانية في النظام الدولي القائم، حيث تأخذُ القوى الإقليمية زمام المبادرة في ترتيب شؤونها الأمنية من خلال الاستثمار في عناصر القوة المتبادلة التي تمكنها من الاستناد على أدوات الردع، لمواصلة مقارباتها الانفتاحية الساعية لإحلال الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
جاء توقيع الاتفاقية في خضم تطورات سياسية ونزاعات عسكرية ومتغيرات ميدانية تعيشها المنطقة، وعند قراءة البنود الرئيسية للاتفاقية يمكن ملاحظة عديد من أوجه الرؤى الاستراتيجية والاتفاقات المستقبلية التي تضمنتها وأهدافها الميدانية وغاياتها السياسية والعسكرية.
ومن أولى الفقرات التي تعكس مديات التعاون الاستراتيجي بين الرياض وإسلام أباد، أنها تضمنت (أن أي اعتداء على أي من البلدين هو اعتداء على كليهما)، مما يعني إعطاء دور ميداني لمظلة عسكرية ذات أبعاد استراتيجية تتمثل بحالة الردع الذي يحمي كلا البلدين ويؤمن حالة الإمان والإطمئنان في منطقة الخليج العربي والعالم الإسلامي، باستخدام جميع الوسائل العسكرية المتاحة، وهي رسالة واضحة المعالم لجميع الأطراف الإقليمية والدولية، وتشكل عامل مهم لتحقيق التوازنات السياسية، وتطور لافت في منطقة الشرق الأوسط ( [24] ).
لذلك يمكن القول أن توقيت الاتفاق وفحواه وأطرافه يطرح تساؤلات مهمة، أبرزها: ما أهمية الاتفاق وأبعاده الإستراتيجية؟، وما الدوافع الرئيسية للجانبين لتوقيع الاتفاق الدفاعي المشترك؟، وما هي تداعيات الاتفاق على موازين القوى وحسابات الدول في الشرق الأوسط وجنوب آسيا؟، وما أبرز مكاسب كل طرف من توقيع هذا الاتفاق التاريخي، والذي يمكن رؤيته من خلال الأبعاد التالية ([25]):
مضمون الاتفاق وأبعاده الإستراتيجية
تتمثل هذه المضامين والأبعاد في التالي:
1. توسيع التعاون العسكري بين البلدين: اتفاق الشراكة الدفاعية بين السعودية وباكستان، وفقاً للبيان المشترك سيوفر لهما معاً مكانة وقوة ردع إضافية في ظل التحولات الجارية في النظام الدولي، والتوترات التي تشهدها دول المنطقة.
2. تعزيز مكانة المملكة وباكستان: هذه الاتفاقية تُعزز من موقع المملكة كقوة إقليمية مهمة، تتبنى سياسات مسؤولة للدفاع عن أمن واستقرار المنطقة، فيما تمنحُ باكستان شريكاً إستراتيجياً يُمكنُها من تعزيز قدراتها الدفاعية.
3. تحول جذري في العقيدة الدفاعية والأمنية: عقيدة دول الخليج هي عقيدة دفاعية وليست هجومية، ويرسل رسائل إلى القوى الكبرى، بأن هنالك تحولًا جذريًا تشهدُه دول الخليج العربي نتيجةً للمهددات والمخاطر الأمنية التي تتعرَّض لها.
4. الاتفاق ليس بديلًا للشراكات التقليدية: لا تمثل الاتفاقية بديلاً عن أي تعاون أو شراكات قائمة مع دول أخرى، بل تُعد مكملة لتلك الشراكات والتعاون، بهدف ضمان أمن واستقرار المملكة وتعزيز الردع المشترك ضد أي اعتداء مستقبلي يتعرَّض له البلدان.
دوافع الطرفين لتوقيع الاتفاق:
تنامي المخاطر والتهديدات الإسرائيلية، ضعف الضمانة الأمريكية الأمنية، غياب مشروع عربي/إسلامي دفاعي مشترك، وإرساء سلام القوة وتوازن الردع. أما المكاسب فتتلخص بما يلي: مكاسب أمنية، مكاسب سياسية، ومكاسب إقتصادية.
2-الموقف الأميركي من التطبيع العربي–الإسرائيلي واتفاقات أبراهام
يتمثل الموقف الأمريكي من التطبيع العربي- الإسرائيلي واتفاقات أبراهام، بدعم قوي ومستمر لهذه الاتفاقيات باعتبارها إنجازاً دبلوماسياً يهدف إلى تعزيز الاستقرار الإقليمي وتحقيق السلام من خلال التعاون الاقتصادي والأمني. تؤمن الولايات المتحدة، بأن هذه الاتفاقيات تمثل خطوة أساسية نحو مستقبل أكثر سلاماً وازدهاراً، وأنها تفتح آفاقاً جديدة للشراكة والتعاون، وإن كان من الممكن أن تواجه تحديات في تحقيق تأثير مباشر على حل النزاع الفلسطيني.
ويأتي الدعم الأمريكي من خلال رعاية الإتفاقيات، التي قادتها الولايات المتحدة وجهود الوساطة والتوقيع على اتفاقيات أبراهام في عام 2020، مما يعكس التزاماً سياسياً ودبلوماسياً كبيراً من جانب واشنطن. إضافة إلى جهود الإستمرارية لتوسيع هذه الإتفاقيات.
أما الأهداف والمكاسب المرجوة من الإتفاقيات فتكمن: بالتعاون الأمني والاقتصادي، من خلال تعزز المصالح الأمنية والاقتصادية للدول المشاركة، إضافة إلى عزل إيران: حيث ترى الولايات المتحدة أن اتفاقيات أبراهام، تساعد في تشكيل جبهة موحدة ضد إيران، مما يخدم أهداف السياسة الخارجية الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة.
3-تحول المشهد الجيو سياسي والاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط
منذ سنة 2011 وما عُرف بثورات الربيع العربي، والحديث يدور عن عزم الولايات المتحدة الانسحاب من المنطقة للتركيز على صراعها مع الصين في جنوب شرق آسيا، فضلاً عن تزايد الدور الإيراني في المنطقة، حدث تحول نوعي في إقليم الشرق الأوسط أفضى إلى إعادة النظر في المواقف التقليدية لمواجهة الأخطار الجديدة، وتبنّي سردية نوعية للصراع العربي – الإسرائيلي منحت مشروعية وصدقية لعقد مثل هذه الاتفاقيات، حسب وجهة نظر مؤيديها.
فقد تميز المشهد الشرق أوسطي بالانقسام بين دعاة تثبيت الأمر الواقع القائم منذ الخمسينيات وما بعدها، والذي احتفظ فيه العديد من الدول العربية بعلاقات جيدة مع الولايات المتحدة الأميركية، واعتمد على الغرب كضامن لأمنه، علاوة على التعايش المشترك مع إسرائيل، وبين الاتجاهات الراديكالية الراغبة في تغيير الأمر الواقع، فرعاة هذه الاتجاهات يزكون العداء للغرب، وينظرون إليه كطامع في السيطرة على المنطقة تحت تأثير القومية والإسلام السياسي، ويرفضون التسوية السلمية، بل إنهم أكثر ميلاً إلى استخدام السلاح في مواجهة إسرائيل.
تصدر الدول الخليجية للمشهد، يمكن القول أن الدول الخليجية وجدت نفسها بين خيارين لا ثالث لهما: الخيار الأول هو الحفاظ على مسار التنمية الإقتصادية ودخول عالم التعاون التقني والبرمجيات وريادة الأعمال، والخيار الثاني الرفض والمجابهة وتعدد العداوات وتنوعها. لذلك اختارت هذه الدول خيار التطبيع والتوقيع على إتفاقيات أبراهام. فقد أعاد الربيع العربي توزيع مراكز القوة بين الدول العربية وذلك لمصلحة دول الخليج، وساهم في خلق ما يمكن أن نسميه “خلجنة الشرق الأوسط” ( Gulfization of the Middle East )، أي أن تتصدر الاهتمامات والمسائل التي تتعلق بالخليج والمشهد الشرق الأوسطي، كما تصبح القضايا التي تهمّ الدول الخليجية في طليعة الأجندة العربية، وبالتالي تحظى بالاهتمام العربي.
كانت دول الخليج قبل الربيع العربي وخلال عقود مضت، ترتكز على إيران في عهد الشاه في الستينيات، وعلى مصر في الثمانينيات، لكن هذا وذاك تغيراً، أولاً بقيام الثورة الإيرانية الإسلامية التي ترغب إيران في تصديرها، وثانياً لأن مصر انشغلت بقضاياها الداخلية وبإعادة البناء، وباتت في حاجة ماسة إلى المساعدات الخليجية ([26]).
شهد مجلس التعاون الخليجي انقساماً منذ حزيران / يونيو 2017 عقب اندلاع أزمة كبرى بين أربعة من الدول الأعضاء اصطفت فيها الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين والمملكة العربية السعودية من ناحية، وقطر من ناحية أُخرى، والتي أخذت عليها الدول الثلاث، تمدد دورها وتدخّلها في دول المنطقة وتحالفها مع تركيا، وقد انضمت مصر إلى الدول الثلاث في هذه الأزمة.
وكانت محصلة هذه التطورات تشكيل أرضية مشتركة مع إسرائيل قوامها مواجهة الخطر الإيراني، ومواجهة الخطر التركي الذي تراه الإمارات من أكبر الأخطار التي تواجهها، وكذلك مواجهة خطر الإخوان المسلمين والتيارات الإسلامية المتطرفة، وتوفر القناعة بأن السلام مع الشعب الفلسطيني بعيد المنال. وإذا كانت الإمارات ترى في تحالف تركيا مع قطر خطراً عليها، لأن هذا التحالف يواجه قواتها وشركاءها، فإن تركيا من وجهة النظر الإسرائيلية تمثل تحدياً بسبب دعمها للإخوان المسلمين و”حماس” وزعزعتها لاستقرار مصر.
وفي هذا السياق الإقليمي والدولي، والتحولات في المشهد الاستراتيجي في الشرق الأوسط، ظهرت الرؤية الإماراتية والبحرينية كرؤية حولت العلاقات الإماراتية-الإسرائيلية إلى معادل موضوعي للخطر الإيراني، وبداية الحصول على الأسلحة الأميركية، وأمناً بديلاً. لكن في حالة انسحاب الولايات المتحدة الأميركية، يصبح الخطر الإيراني هو الأولى بالاهتمام والمواجهة، بينما تضاءل الخطر الإسرائيلي، وباتت إسرائيل مصدراً للتكنولوجيا والأمن السيبراني والمعلوماتي والاستخباراتي. لذلك ظهرت المسألة الخليجية المتعلقة بالأمن والاستقرار، معادلاً موضوعياً للقضية الفلسطينية، بل تفوقها أهمية من منطلق المصلحة الوطنية من دون اعتبار للمصالح القومية ([27]).هكذا بدا مشهد الشرق الأوسط، الذي تريد إسرائيل تغيره كما تتمنى أن يكون.
يبدو أن مفهوم الشرق الأوسط الجديد، مفهوم متبلور في مخيلة الأنظمة السياسية الحاكمة في المنطقة، لكنه مازال بعيد المنال جيوسياسياً واستراتيجياً عن التطبيق العملي، خاصة بعد طوفان الأقصى وانكشاف الأوراق السياسية لجميع دول المنطقة. فهل سيكون لإسرائيل ما تريد بعد كل ما فعلته بغزة والضفة الغربية؟ وإن كان ذلك، فما هو موقف الشعوب العربية؟.
المبحث الخامس: التحديات والسيناريوهات المستقبلية
عند الحديث عن التحديات التي تواجه السياسة الخارجية والاستراتيجية الأميركية في المنطقة، نجدها تتمحور في بناء شرق أوسط جديد، في ظل استمرار الصراعات الإقليمية، التدهور الاقتصادي، التنافس على النفوذ، والتغيرات الهيكلية في قطاع الطاقة، بينما تبرز سيناريوهات مستقبلية تتراوح بين استمرار التصعيد و”الفوضى الخلاقة” أو التحول نحو الاستقرار والازدهار الاقتصادي من خلال التحول للطاقة المتجددة وتنويع مصادر الطاقة.
1- التحديات الرئيسية التي تواجه السياسة الخارجية والاستراتيجية الأميركية في المنطقة:
-استمرار النزاعات القائمة، خاصة الصراع العربي الإسرائيلي، والحروب بالوكالة، والتنافس الإقليمي بين قوى مثل إيران وإسرائيل وتركيا، بما يشكل تهديداً مستمراً ومقلقاً.
–الأزمات الاقتصادية العميقة، مثل إرتفاع البطالة، والتضخم، والفساد، وغياب العدالة الإقتصادية، جميعها تضعف شرعية الأنظمة وتزيد من احتمالات عدم الاستقرار.
-العامل الديموغرافي، خاصةالنمو السكاني يمثل خلق تحديات كبيرة في توفير فرص عمل، لكنه يمثل فرصة “عائد ديموغرافي” مهم قابل للإستخدام عند الضرورة.
2-السيناريوهات المستقبلية المحتملة:
يمكن القول أن استمرار نتنياهو في مشروعه القائم على بث الفوضى الخلاقة وتمريرها إلى أقاليم وكيانات جديدة، خدمة لحلمه في أن تكون إسرائيل القوة المهيمنة إقليمياً، فإنه يرسم لتصور سيناريوهين رئيسيين للمستقبل هما ( [28] ):
السيناريو الأول: استمرار التصعيد والتمزق الداخلي
من المرجح استمرار النزاعات الإقليمية، مع تصاعد التوتر بين إسرائيل وحماس، خاصة بعد “طوفان الأقصى” والعمليات في غزة. عقلية نتنياهو القائمة على تعزيز الاستيطان تعقد فرص السلام وتفتح المجال أمام نزاعات ممتدة، لا تقتصر على غزة، بل قد تشمل سوريا، ولبنان، وربما الأردن، ومصر، ودول الخليج.
السيناريو الثاني: التقارب العربي والإقليمي وإعادة التوازن الاقتصادي
قد يشهد الشرق الأوسط تحولات إيجابية عبر تعزيز التعاون الاقتصادي بين دول الخليج وشرق آسيا، ولا سيما مع الصين، في إطار مبادرة “الحزام والطريق”. هذا التعاون قد يقلل من الاعتماد على الغرب ويزيد من ثقل المنطقة على الساحة الدولية.
لذلك اعتبر هذا السيناريو الأنسب في التوقيت الراهن، إذ يمثل مشروعاً مضاداً لأطروحة نتنياهو التفكيكية، خاصة في ظل ضعف الردع العربي. حيث أن أولوية سوريا والمنطقة عموماً هي التنمية والاستقرار وإعادة الإعمار، وهو ما يناقض مشروع نتنياهو. لذا فإن بناء تعاون عربي-عربي وإسلامي-إقليمي، مع آسيا الوسطى والدول المناصرة لقضايانا، هو الخيار الأكثر واقعية ونجاعة، عبر إيجاد آليات وفرص تعاون متكامل الجوانب.
بالمقابل هناك من يتحدث عن سيناريوهات مختلفة يمكن إجمالها بما يلي ( [29] ):
أولاً- ” سايكس بيكو2 “، ويقوم على تغيير الخرائط في الشرق الأوسط ومنها على سبيل المثال ضم إسرائيل مزيد من الأراضي في جنوب سوريا في 3 محافظات رئيسية هي درعا والسويداء والقنيطرة، وضم الضفة الغربية أو على الأقل المنطقة «ج» من الضفة الغربية لإسرائيل وإضعاف النظام الإيراني أو سقوطه مستقبلاً، وهذا يعني عدة دويلات في إيران منها دولة للفرس، وانضمام المناطق القريبة من أذربيجان إلى جمهورية أذربيجان وانضمام أكراد إيران الذين يشكلون نحو 27% من السكان إلى أكراد العراق أو محاولة بناء كيان ودولة خاصة بهم. هذا التشظي الإيراني إذا حدث يمكن أن يكون له ارتدادات على الدولة الوطنية..
ثانياً: انكفاء إيراني، ويقوم على إعادة التموضع الإيراني داخل الجغرافيا الإيرانية وعقد صفقة مع الولايات المتحدة ترفع بموجبها واشنطن العقوبات عن طهران ويتحسن الاقتصاد الإيراني وتتخلى إيران عن دعم وكلائها في المنطقة.
ثالثاً: ” استقلالية المليشيات”، ويفترض هذا السيناريو أن تكون قرارات الحوثيين وحزب الله والمليشيات في العراق أكثر استقلالية وبعيداً عن إيران، بعد وقف أو تقليل الدعم الإيراني لهم.
رابعاً: ” استراحة محارب “، ويفترض هذا السيناريو أن تقتنع إسرائيل بأنها عطلت البرنامجين النووي والصاروخي لإيران، لسنوات وليس أشهر، مع مراقبة الأنشطة الإيرانية عن كثب، وتقتنع إيران أيضاً بأنها حققت نصراً غير مسبوق على إسرائيل، وتحاول معالجة الثغرات الكبيرة في الدفاعات الجوية ومكافحة فرق التجسس التي تعاقدت معها تل أبيب، مع استمرار الدعم الإيراني حتى لو كان بوتيرة أقل لحلفائها وأذرعها في المنطقة، لحين استئناف الحرب من جديد، سواء كانت حرباً مباشرة أو العودة من جديد إلى ما سمى” بالحرب بين الحروب ” أي ” حروب الظل “.
خامساً: الاستقرار الطويل، وهو سيناريو ترى واشنطن وتل أبيب أنه يلوح في الأفق بعد تقليص قدرات إيران وأذرعها في المنطقة وأن النتيجة الحتمية لهذه الضربات والإنجازات من وجهة النظر الأمريكية هو دخول المنطقة حالة من الاستقرار الطويل تبدأ بتسارع وتيرة “مسارات التطبيع” بين إسرائيل من جانب والدول العربية والإسلامية من جانب آخر.
إن مستقبل الشرق الأوسط مرهونبقدرة القوى الإقليمية والدولية على التعامل مع التحديات. ويتطلب تعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة ورؤية إستراتيجية متوازنة، تأخذ بعين الاعتبار المخاطر والفرص ضمن استراتيجية على ثلاث مستويات:
المستوى الوطني: استكمال عملية بناء الدولة، بمؤسساتها السياسية والاقتصادية والأمنية، كإحدى آليات مواجهة التدخلات الخارجية.
المستوى الإقليمي: صياغة مشروع تكاملي يعكس المصالح الحيوية لدول المنطقة، ويعبر عن إرادتها السيادية بعيداً عن ضغوط القوى الكبرى.
المستوى الدولي : تنويع الشركاء الإستراتيجيين لكسر دوائر التبعية، وتوسيع شبكة العلاقاتبما يتجاوز الاقتصار على دول بعينها.
خاتمة :
إن فائض القوة العسكرية والتكنولوجية، المدعوم أميركياً، منح إسرائيل جرأة على شن هجمات واسعة في إطار “طوفان الأقصى” على لبنان، وإيران، وغزة، وسوريا، وصولاً إلى قصف الدوحة واستهداف السيادة القطرية ووساطتها ورعايتها جهود التفاوض. هذا الفائض لدى القوى المعادية، يجب أن يكون حافزاً للدول العربية والإسلامية، لبناء منظومة دفاعية قادرة على تحقيق التوازن والردع.
إن مستقبل الشرق الأوسط بعد 2025 رهين بقدرة القوى الإقليمية والدولية على التعامل مع التحديات المحلية. ويتطلب تعزيز الاستقرار والتنمية المستدامة رؤية إستراتيجية متوازنة. على صناع القرار في الأنظمة العربية والإسلامية أن يعملوا بخطوات منسقة لمواجهة التحديات المتنامية، والحفاظ على الأمل في تحقيق السلام.
على دول المنطقة أن تكون مستعدة لمواجهة المستقبل، في ظل التحولات البنيوية الراهنة التي تعيد رسم خرائط النفوذ، وتختبر نماذج جديدة لإدارة العلاقات الدولية، من أجل إحباط المشاريع التوسعية، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، وصياغة إستراتيجيات فعالة لمواجهة التفكيك والتمدد الذي يهدد استقرارها.
[1]– نور عماد تركي،” التحالفات الدولية: استراتيجية متعددة لمواجهة التهديدات الإقليمية”، المركز الأوروبي لدراسة ومكافحة الإرهاب والإستخبارات، 9 مايو 2021.
[2]– ماهر أبو المجد، ” تحالف الملفات “، ظاهرة جديدة في العلاقات الدولية، الجزيرة نت،19/ 2024، أنظر في الرابط: urlr.me/fda7wx تاريخ الدخول (20/11/2025).
[3]– بشير النجاب، ” النظرية الواقعية “، الحوار المتمدن ، تاريخ النشر 7/5/2017، أنظر الرابط urlr.me/DRZCte تاريخ الدخول: (20/10/2025).
[4] -عبدالله ناهض، ” قراءة نقدية في النظرية الواقعية “، مركز البيان للدراسات والتخطيط، قسم الأبحاث، 27/10/2024، أنظر في الرابط: urlr.me/YEyUFP تاريخ الدخول: (22/10/2025).
[5] – أحمد محمد وهبان، “النظرية الواقعية وتحليل السياسات الدولية من مورجنثاو إلى ميرشايمر، ” دراسة تقويمية “، كلية الدراسات الإقتصادية والعلوم السياسية جامعة الإسكندرية، مصر، بدون تاريخ.
[6] – النظرية الليبرالية من منظور النظرية السياسية: دراسة تحليلية، المركز الديمقراطي العربي، 7نوفمبر 2023، أنظر في الرابط: urlr.me/AbT6RY
تاريخ الدخول: (18/11/2025).
[7] – عصام عبد الشافي، ” جوزيف ناي مطلق الرصاصة الناعمة التي تقتل أيضاً”، الجزيرة نت، 26/5/2025، أنظر في الرابط: urlr.me/U6jrVB
[8] – المرجع نفسه.
[9] – محمد إبراهيم حسن فرج، “القوة الذكية وإعادة رسم التحالفات الاستراتيجية في الشرق الأوسط”، كلية الإقتصاد والعلوم السياسية، مجلة السياسة الدولية، جامعة القاهرة، مصر، سبتمبر 2025، أنظر في الرابط: urlr.me/YuaEke تاريخ الدخول: (12/12/2025).
[10]– أحمد ناجي قمحة، ” تحولات الإستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط.. مآلات الإخفاق “، صحيفة الأهرام، بوابة الأهرام، 25/7/2025.
[11] – ياسر قطيشات،”الصين والولايات المتحدة: إدارة النفوذ بين الإحتواء والصراع”، مركز الدراسات والأبحاث العلمانية في العالم العربي، 27/4/2025. أنظر في الرابط: urlr.me/Kt9HzJ تاريخ الدخول: (09/11/2025).
[12]– إسراء شوقي، “تحولات السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط”، مجلة السياسة الدولية، 21/5/2025. أنظر في الرابط: urlr.me/vp3SEq تاريخ الدخول: (13/12/2025).
[13] – محمود حمدي أبو القاسم، ” الصراع في الشرق الأوسط وملامح التغيير في البيئة الاستراتيجية “، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية ( رصانة )، الرياض، السعودية، 5 ديسمبر 2024.
[14] – محمود حمدي أبو القاسم، مرجع سبق ذكره.
[15] Jeffrey Feltman, “The New Geopolitics of the Middle East: America’s Role in a Changing Region,” Brookings, January 2019 .
[16]– عبد الرحمن محمد غزالة، يوسف محمد سليمان،” الشرق الأوسط الجديد: تحليل سياسي للتغيرات والتحديات”، المركز الديمقراطي العربي، برلين، ألمانيا، 18 أغسطس 2025.
[17]– Ecaterina Matoi, Greater Israel: an Ongoing Expansion Plan for the Middle East and North Africa. Middle East Political and Economic Institute,2024. urlr.me/Jqra8B Accessed : ( oct. 29, 2025)
[18]– BBC News. “Trump Speculates About Iran Regime Change After US Strikes.” BBC News, 23 June 2025. urlr.me/RCN4vH Accessed: (oct. 29,2025).
[19]-Shahrokhi Sedighe, “Iran Protests Expose Regime’s Illegitimacy and Brutality”, NCRIran, 18 June 2025. urlr.me/jmYMrn Accessed :(29 oct. 2025).
[20]– أحمد حافظ، “كيف سيغير ساكن البيت الأبيض الجديد مسار الأحداث في الشرق الأوسط”، الجزيرة نت، 13/11/2022. أنظر في الرابط: urlr.me/duqzEp تاريخ الدخول: (15/11/2025).
[21]– باسل حسين، ” ما الذي يبحث عنه ترامب في الشرق الأوسط؟ “، الجزيرة نت، 30/5/2025، أنظر في الرابط: urlr.me/aCg5Bh تاريخ الدخول: (14/11/2025).
[22]– عبد المنعم سعيد، “ما بعد الربيع العربي: الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط”، مجلة السياسة الدولية، مؤسسة الأهرام، القاهرة، العدد 102، يوليو 2015.
[23]– رانج علاء الدي، ” الإتفاق السعودي – الإيراني مهم لكن لاتتوقعوا سلاماً في الشرق الأوسط “، مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، 6 إبريل 2023. أنظر في الرابط: urlr.me/xCgZAq تاريخ الدخول: (12/10/2025).
[24]– إياد العناز، “إتفاقية الدفاع السعودية الباكستانية استراتيجية إقليمية وأهداف مستقبلية “، مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، عمان، الأردن، 8 أكتوبر 2025. أنظر في الرابط: urlr.me/cyApEh تاريخ الدخول: (13/ 11/2025).
[25]- ” الأبعاد الاستراتيجية لاتفاقية الدفاع المشترك مع باكستان “، المعهد الدولي للدراسات الإيرانية، الرياض، السعودية، 18 سبتمبر 2025. أنظر في الرابط: urlr.me/5trecN تاريخ الدخول:(15/12/2025).
[26]-Amr yossef, “The Regional Impact of the Abraham Accords”, “Modern War Institute”, March 2021.
[27]– عبد العليم محمد، ” اتفاقيات أبراهام ” والنموذج الجديد للتطبيع قراءة تحليلية، مجلة الدراسات الفلسطينية، العدد 140، 2024، مؤسسة الدراسات الفلسطينية، بيروت -لبنان.
[28] – مجاهد أحمد المرزوق، ” الشرق الأوسط لجديد: من سليكس بيكو إلى الفوضى الخلاقة، الجزيرة نت، 22/9/2025. أنظر في الرابط: urlr.me/aRryjJ تاريخ الدخول: (13/10/2025)
[29]-أيمن سمير، “خمس سيناريوهات تُشكل الأشرق الأوسط الجديد “، صحيفة الخليج، دولة الإمارات، 9 يوليو/تموز 2025.




